السيد عبد الأعلى السبزواري
43
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
والحق أن يقال : إنّ القرآن يختلف عن سائر الكتب الإلهية من جهات كثيرة فهو آخرها ، المهيمن عليها ، وأنّه أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ هود - 1 ] ، وأنّ فيه تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً [ يوسف - 111 ] ، وأنّه لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس - 37 ] ، وأنّه فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [ الزخرف - 4 ] ، ويكفي في عظمة أمره قوله تعالى : رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [ الشورى - 52 ] . ولا ريب في أنّ مثل هذا الكتاب له من الجلال والعظمة والكبرياء ما لا يمكن دركه بالعقول وإن بلغت ما بلغت ، وحينئذ لا يمكن لنا أن نقول بنزوله مرة واحدة ، سواء كان دفعة واحدة أم تدريجا من دون أن يعرف من أنزل عليه تأويله ، وهو النبي العظيم حبيب ربّ العالمين وصاحب الشرع المبين ، الذي هو سر من أسرار عالم الجبروت ، وقد انطوى فيه العالم الأكبر ، وهو بنفسه كتاب إلهي تكويني ، وله المقام المحمود عند رب العالمين ، ومع ذلك كلّه يكون غافلا عمّا ينزل عليه ، وهذا بعيد جدا فلا بد وأن يكون عارفا به وبتأويله وحقيقته وجميع خصوصياته فأنزل جميعا على قلب رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) . كما هو المتيقن من قوله تعالى : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى . [ سورة النجم - الآية - 10 ] ، ثم بعد ذلك أنزل عليه تدريجا في مدة الدعوة ولا مانع من تعدد الوحي الذي هو سر إلهي بين الموحي والموحى إليه ، وفيه ابتهاج للمنزل عليه ، ويدل على ذلك قوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [ القيامة - 19 ] ، وقوله تعالى : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [ ص - 114 ] ، ومن المعلوم أنّه إن لم يكن عارفا به وعالما بخصوصياته لا معنى لتعجيل القرآن وإظهار بيانه فبالوحي يظهر ما في قلبه على ظاهر لسانه . ولا ينافي ذلك أنّ القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ، أو إلى البيت المعمور - أو بيت العز - حسب اختلاف التعبيرات في الروايات ، أو أنّه ينزل ما يراد إنزاله في السنة في ليلة القدر ، كما في بعض الروايات ، أو له نزول آخر ، فإنّ للنزول والتنزيل غايات متعددة ومراتب مختلفة يتعددان